الركض باسم شخص آخر
30 تموز/يوليو: اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر

عرفه العالم باسم مو فاراه؛ ذلك البطل الذي حصد أربع ميداليات ذهبية أولمبية لصالح بريطانيا العظمى، وحقق انتصارات مدوية أخرى، واشتهر باحتفاله الأيقوني عندما يضم ذراعيه فوق رأسه ليشكل حرف "M"، الحرف الأول من اسمه...

لكن الاسم الذي حمله لسنوات لم يكن اسمه الحقيقي؛ إذ كان اسمه الأصلي حسين عبدي كاهن.

ولد حسين في الصومال، وفقد والده خلال الحرب الأهلية وهو في الرابعة من عمره فقط. أُرسل بعيداً عن عائلته إلى دولة جيبوتي المجاورة، وعندما بلغ التاسعة من عمره، أقنعته امرأة لا يعرفها بأنه يمكنها أخذُه إلى أقاربه الذين اضطروا للهجرة إلى دول أوروبية مختلفة بسبب الحرب. تم إعداد وثائق تعود لطفل آخر، ووضع اسمه “محمد فاراه” بجانب صورته، وبهذه الهوية أُخذ إلى بريطانيا. وعندما وصل إلى لندن، لم يكن في انتظاره أي شيء مما وُعد به.

كان يحمل معه ورقة مدوّن عليها عنوان وأرقام تواصل تمكّنه من الوصول إلى عائلته. وبحسب رواية فاراه، قامت المرأة بمزق تلك الورقة ورميها في سلة المهملات أمام عينيه! لم يعد يعرف كيف يصل إلى أهله، وفرضت عليه القيام بالأعمال المنزلية، وإعداد الطعام، ورعاية أطفال آخرين، بل وحُرم في البداية حتى من الذهاب إلى المدرسة. لقد سُلب هذا الطفل اسمه، وقُطعت صلته بأسرته، وتم استغلال جهده وطاقته.

بعد سنوات طويلة، وخلال حديثه عن تلك الأيام في الوثائقي الذي أنتجته شبكة BBC بعنوان (The Real Mo Farah)، قال إنه لم يُعامل كفرد من العائلة في ذلك المنزل، بل كان الطفل الذي يؤدي جميع الأعمال. لم يستطع التحدث عما عاشه لفترة طويلة؛ لأنه ، كحال العديد من ضحايا الاتجار بالبشر ، كان أسيراً للخوف والوحدة والصمت.

نقطة التحول والركض نحو الحرية

جاء التغيير في حياته عندما بدأ الذهاب إلى المدرسة. حظي باهتمام معلم التربية الرياضية “آلان واتكينسون”، الذي لم يلاحظ موهبته الفذة في الركض فحسب، بل شعر أيضاً بوجود معاناة خلف سلوكه. وأخيراً، باشر فاراه بسرد قصته لمعلمه. وبعد تواصل المعلمين مع الخدمات الاجتماعية، تم نقله ليعيش في بيئة أسرية آمنة. وكان المضمار والرُّكاض هما المساحة التي شعر فيها بالحرية لأول مرة.

رغم أنه كان يطمح في البداية ليكون لاعب كرة قدم، إلا أن معلمه أدرك قدراته الاستثنائية في ألعاب القوى. أثناء الركض، كان فاراه يستطيع ولأول مرة في حياته تحديد اتجاهه وسرعته بنفسه. وفي مقابلة أُجريت معه لاحقاً، أشار إلى أن الركض كان مخرجاً وطريقاً للتحرر بالنسبة له، قائلاً: «إن الركض هو ما أنقذني».

O çocuk, yıllar sonra dünyanın en başarılı uzun mesafe atletlerinden biri oldu. 2012 Londra ve 2016 Rio Olimpiyatları’nda 5 bin ve 10 bin metre yarışlarını kazanarak Büyük Britanya adına dört Olimpiyat altın madalyasına ulaştı. Dünya şampiyonlukları kazandı ve 2017 yılında atletizme hizmetlerinden dolayı şövalyelik unvanı aldı. Fakat kazandığı bütün madalyaların arkasında, yıllarca açıklayamadığı bir gerçek vardı.

لواقع الذي يكسر الصمت: The Real Mo Farah

لم يستطع فاراه الإفصاح للعلن بأن اسمه الحقيقي هو حسين عبدي كاهن، وأنه تعرض للاتجار بالبشر في طفولته، إلا في عام 2022 من خلال الوثائقي (The Real Mo Farah) الذي بُث على قناة BBC One. وذكر أن رغبته في أن يكون صادقاً مع أطفاله كانت الدافع الأكبر لاتخاذ هذا القرار. كان العالم يعرف سرعته منذ سنوات، لكنه كان يكتشف ولأول مرة القصة الحقيقية للاسم الذي يحمله ولطفولته.

واقع الاتجار بالبشر في الأرقام

اليوم هو 30 تموز/يوليو، اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر.

تظهر أحدث البيانات المقارنة المنشورة في التقرير العالمي لعام 2024 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) خطورة الموقف؛ حيث ارتفع عدد ضحايا الاتجار بالبشر المكتشفين حول العالم بنسبة 25% مقارنة بظروف ما قبل الجائحة. وشكّل الأطفال 38% من إجمالي الضحايا المكتشفين، مع تسجيل زيادة بنسبة 31% في أعداد الضحايا من الأطفال. كما أصبح العمل القسري أكثر أشكال الاستغلال المكتشفة شيوعاً بنسبة 42%.

تؤكد هذه البيانات أن ما تعرض له مو فاراه في طفولته من سخرة وعمل قسري في الخدمة المنزلية ليس مجرد حادثة من الماضي أو حالة استثنائية. فالاتجار بالبشر لا يقتصر فقط على الرحلات غير القانونية عبر الحدود أو الاستغلال الجنسي؛ بل يشمل أيضاً الخداع، واستخدام الهويات المزيفة، وقطع الروابط الأسرية، وتقييد حرية الحركة، والعمل القسري في المنازل أو في قطاعات أخرى.

قد تُرتكب هذه الجريمة أحياناً أمام مرأى ومسمع الجميع، أو خلف الأبواب المغلقة لبيوت تبدو عادية جداً. وقد يعجز الضحايا عن الحديث عما يمرون به لسنوات طويلة بسبب الخوف، أو التهديد، أو انعدام الشعور بالأمان، أو عدم معرفتهم بحقوقهم. لذلك، فإن اكتشاف المخاطر في الوقت المناسب، وتوفير المساحات الآمنة ليتحدث الأشخاص بحرية، وتوجيههم إلى آليات الدعم الصحيحة، يُعد أمراً بالغ الأهمية.

الوعي، إيصال الصوت، والمقاومة

الجهود والمسؤولية الجماعية تواصل جمعية التضامن والتنمية الاجتماعية (SGDD-ASAM)، في إطار أنشطة الحماية التي تنفذها بتمتعها ببرامج خبرة تمتد لأكثر من 30 عاماً، تقديم دعمها لضحايا الاتجار بالبشر والفئات الهشة العرضة لخطر الوقوع ضحايا لهذه الجريمة. وتساهم الجمعية في دعم جهود تركيا لمكافحة الاتجار بالبشر، كما تتابع التطورات الوطنية والدولية المتعلقة بهذا الصدد عن كثب. ويُعد تحديد الأشخاص الذين يعيشون ظروفاً هشة، وتقييم احتياجاتهم، وتوجيههم إلى الخدمات النفسية والاجتماعية والقانونية وغيرها من الخدمات ذات الصلة، من أهم الخطوات في هذه المواجهة.

لم يكن قدر مو فاراه ليتغير بمجرد موهبته في الركض فحسب؛ بل كان معلمٌ لاحظ معاناته، وأشخاصٌ استمعوا إليه، وآلياتُ دعمٍ تحركت للمساعدة، أجزاءً لا تتجزأ من هذه الرحلة. لأن مكافحة الاتجار بالبشر تبدأ أولاً بـ ملاحظة ما هو غير مرئي، ثم التصديق بروايات الضحايا وحماية حقوقهم وعدم تركهم بمفردهم.

عرفه العالم وهو يركض باسم شخص آخر…

وعندما تمكّن من سرد ما عاشه، لم يعد مجرد بطل يُعرف باسمه الحقيقي فحسب، بل أصبح صوتاً لمن لا صوت لهم.